الشیخ غریب رضا
الموقع الشخصی
الشیخ غریب رضا
الموقع الشخصی

المشاركات الاخيرة

بين فشل الحكومات وانتقامها الطائفي من المواطنين: قراءة حقوقية في الأزمة

16/05/2026 المقالات
بين فشل الحكومات وانتقامها الطائفي من المواطنين: قراءة حقوقية في الأزمة

بقلم: الشيخ غريب رضا

تابعتُ عن كثب تصاعد حملات الاعتقال والأحكام التعسفية التي تستهدف المواطنين الشيعة الإمامية في عدد من الدول العربية الجارة لإيران و المعطيات الواردة ترسم صورة مقلقة لنمط ممنهج من التمييز والقمع يرقى إلى مستوى الانتهاك الجسيم للمواثيق الدولية ولأبسط مبادئ العدالة التي نصّ عليها الإسلام نفسه.

 فصول حملة تعسفية
تُظهر التقارير الواردة من البحرين والسعودية والكويت والإمارات موجة غير مسبوقة من الإجراءات التعسفية:
– اعتقالات عشوائية طالت ناشطين ورجال دين ومواطنين عاديين من دون مذكرات قانونية واضحة، بتهم فضفاضة مثل «التخوين» أو «التعاون مع جهات خارجية».
– أحكام جائرة صدرت بناءً على اعترافات منتزعة تحت الإكراه، أو محاكمات لا تتوفر فيها أدنى ضمانات المحاكمة العادلة.
– عقوبات جماعية شملت سحب الجنسية، منع السفر، وإلغاء رحلات الحج، والفصل الوظيفي، والتضييق على الممارسات الدينية (كإغلاق المساجد والحسينيات أو تقييد الشعائر الحسينية).
– خطاب كراهية رسمي صاحب الحملات الأمنية لخلق بيئة شعبوية تبرر القمع تحت غطاء «حماية الأمن الوطني».
– إخراج آلاف من المواطنين الشيعة من البلد ومصادرة اموالهم وممتلكاتهم

 الفشل السياسي لا يُعالج باضطهاد المواطنين
لا يمكن فهم توقيت هذه الحملات وتصاعدها بمعزل عن السياق الإقليمي. ففي الفترة الأخيرة، شهدت المنطقة ضربات صاروخية وطائرات مسيّرة استهدفت قواعد عسكرية أمريكية متمركزة على أراضٍ مجاورة لإيران، دون أن تتمكن الحكومات المعنية من التصدي لها بفعالية. وبدلاً من أن تتحمل هذه الحكومات مسؤوليتها السياسية والعسكرية تجاه جيرانها، لجأت إلى صرف الأنظار عبر افتعال أزمة داخلية جديدة: شيطنَة المواطنين الشيعة والزعم بأنهم طابور خامس يهدد الأمن القومي.

إن هذه المقاربة ليست مجرد فشل أخلاقي، بل هي اعتراف ضمني بالعجز؛ فالأنظمة التي لا تستطيع أن ترسم استراتيجية منطقية في الحفاظ على سيادتها ويلتجئ إلى خلق تهديد لجيرانها من خلال الاحتماء إلى أعداء أمة مثل أمريكا ثم تفشل فشلاً ذريعاً في مشروعها، تلجأ للحفاظ على سمعتها أو الانتقام من الدولة التي اعتدت عليها إلى التظاهر بالقوة على أضعف شرائح مجتماعتها الداخلية. وهذا تحويل بائس لثمن الهوان السياسي إلى كاهل مواطنين أبرياء لا ذنب لهم سوى انتمائهم المذهبي.

 الإدانة من منظور ديني وقانوني
1. في الشريعة الإسلامية: المبدأ القرآني واضح: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ (الأنعام: 164). لا يجوز شرعاً محاسبة الشيعة في البحرين أو القطيف او الدول الأخرى على سياسات إيران أو أي فاعل خارجي. كما أن «التخوين» الجماعي والتشهير بالمؤمنين بناءً على عقيدتهم يتعارض مع قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ﴾ (النساء: 135). إن العدالة التي يأمر بها الإسلام لا تتجزأ، ولا تسقط بحجة الخلاف المذهبي أو الظروف السياسية.
2. في القانون الدولي: تشكّل هذه الممارسات انتهاكات صريحة لـ:
– العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (المواد 9، 14، 18، 26) التي تضمن حرية الدين وعدم التمييز والمحاكمة العادلة.
– إعلان القضاء على جميع أشكال التعصب والتمييز القائمين على الدين أو المعتقد.
– مبدأ الحماية من العقاب الجماعي، وهو قاعدة آمرة في القانون الدولي الإنساني لا تقبل الاستثناء.
– اتفاقية مناهضة التعذيب، في حال ثبوت استخدام التعذيب لانتزاع الاعترافات من المعتقلين الشيعة.

لا تهاون مع استغلال الدم لأغراض سياسية
أستطيع القول إنّ ما يحدث فـي هذه الدول اليوم ليس مجرد «إجراءات أمنية»، بل هو جريمة ممنهجة بحق مواطنة المواطن الشيعي، وقضاء على ما تبقى من عقد اجتماعي يجمع أبناء الوطن الواحد على اختلاف مذاهبهم.

إنّ استباحة دماء الشيعة وأعراضهم وحرياتهم لتكون غطاءً لفشل الحكومات في ترتيب أوراقها السيادية والأمنية هو أمر مرفوض جملةً وتفصيلاً. وهو يزرع – على المدى البعيد – بذور فتنة طائفية لا تُبقي ولا تذر، وتضرّ باستقرار المجتمعات العربية قبل أي جهة أخرى.

لذا، ندعو:
– هيئات المجتمع الدولي (كمجلس حقوق الإنسان والمقررين الخاصين) إلى فتح تحقيق عاجل في هذه الانتهاكات، وعدم التعامل معها كمسألة داخلية صرفة.
– علماء الدين من جميع المذاهب إلى إصدار بيانات شجاعة ترفض استغلال الدين لتبرير القمع، وتؤكد على وحدة الأمة وحرمة الدماء والأعراض.
– الحكومات العربية المعنية إلى أن تعود إلى رشدها، وتدرك أن أمنها واستقرارها يمرّ حتماً عبر العدالة والمساواة لجميع مواطنيها، لا عبر التمييز وتصفية الحسابات السياسية على ظهور الأقليات.

 الحرية والكرامة والمساواة ليست منّة من حاكم، بل هي حقوق أصيلة لكل إنسان، ولا تسقط بالتقادم أو بالتغيرات الجيوسياسية.

أكتب تعليقا